أما مؤتمر السقیفة فهو مصدر الفتنة الکبرى التی منی بها المسلمون و التی کان من جرائها الأحداث المروعة التی رزئ بها أهل البیت، یقول الإمام محمد حسین آل کاشف الغطاء:
تا لله ما کربلاء لولا (سقیفتهم)
و مثل هذا الفرع ذاک الأصل أنتجه
و یقول بولس سلامة:
و توالت تحت السقیفة أحدا
ث أثارت کوامنا و میولا
نزعات تفرقت کغصون الـ
ـعوسج الخفی شائکا مدخولا
لقد أسرع الأنصار إلى عقد مؤتمرهم فی (سقیفة بنی ساعدة(، لترشیح أحدهم لمنصب الخلافة، و إقامة حکومة تضمن مصالحهم و ترعى شؤونهم، لقد عقدوا مؤتمرهم فی وقت کان جثمان الرسول الأعظم صلى الله علیه و آله لم یوار فی مثواه الأخیر.
و أکبر الظن إنما قاموا بهذه السرعة الخاطفة بذلک لأنهم خافوا من استیلاء المهاجرین على الحکم، فقد رأوا تحرکهم السیاسی فی صرف الخلافة عن الإمام أمیرالمؤمنین و کراهیتهم له.
و على أی حال، فقد خطب سعد بن عبادة زعیم الخزرج فی الأنصار، و کان منطق خطابه الإشادة بنضال الأنصار و جهادهم فی نصرة الإسلام و قهر القوى
المعادیة لهم، فهم الذین حملوا النبی صلى الله علیه و آله و نصروه فی أیام محنته، فإذا هم أولى بمرکز النبی صلى الله علیه و آله و أحق بمنصبه من غیرهم، کما حفل خطابه بالتندید بالاسر القرشیة التی ناهضت النبی صلى الله علیه و آله و ناجزته الحرب حتى اضطر للهجرة إلى یثرب، فهم خصومه و أعداؤه و لا حق لهم بأی حال فی التدخل بشؤون الدولة و مصیرها. و قام زعیم آخر من الأنصار هو الحباب بن المنذر، فحذر الأنصار من القرشیین، و أهاب بهم أن یجعلوا لهم نصیبا فی الحکم، قائلا: «لکننا نخاف أن یلیها بعدکم من قتلنا أبناءهم و آباءهم و إخوانهم…«.
و تحقق تنبؤ الحباب، فإنه لم یکد ینتهی حکم الخلفاء حتى آل الأمر إلى الامویین فأمعنوا فی إذلال الأنصار و إشاعة البؤس و الفقر فیهم، و قد انتقم منهم معاویة کأشر و أقسى ما یکون الانتقام. و لما ولی الأمر من بعده یزید جهد فی الوقیعة بهم، فأباح أموالهم و دماءهم و أعراضهم لجیوشه فی واقعة (الحرة) التی انتهک فیها جمیع ما حرمه الله.
و على أی حال، فقد تجاهل سعد و غیره من الأنصار الإمام أمیرالمؤمنین علیه السلام الذی هو من النبی بمنزلة هارون من موسى، و أبو سبطیه، و باب مدینة علمه، و سید عترته.
و لا نرى أی مبرر لسعد فی إغضائه و تجاهله حق الإمام علیه السلام، فقد فتح باب الشر على الامة، و أخلد لها المصاعب و الفتن على امتداد التاریخ.